ابن عربي

54

فصوص الحكم

فكذلك أيضاً ، وإن وَصَفَنَا بما وصف ( 1 ) نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق ، وليس ( 2 ) إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه . فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم . فلا تُنسَبُ إليه الأوليّة ( 3 ) مع كونه الأول . ولهذا قيل فيه الآخِر . فلو ( 4 ) كانت أوليته أولية وجود التقييد ( 5 ) لم يصح أن يكون الآخِرَ للمقيد ، لأنه لا آخر للممكن ، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها . وإنما كان آخراً لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا ، فهو الآخر في عين أوّليته ، والأول في عين آخريّته . ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن ( 6 ) ، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطنَ بغيبنا والظاهر بشهادتنا . ووصف نفسه بالرضا والغضب ، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو ( 7 ) رضاه . ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجَدَنَا على هيبة وأُنْسٍ . وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويُسَمّى به . فعبّر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامعَ لحقائق العالم ومفرداته . فالعالم شهادة والخليفة غيب ، ولذا تحجَّبَ ( 8 ) السلطان . ووصف الحق نفسه بالحُجُب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية ، والنورية وهي الأرواح اللطيفة . فالعالم ( 9 ) بين ( 10 ) كثيف ولطيف ، وهو عين الحجاب على نفسه ، فلا ( 11 ) يدرك الحقَّ إدراكَه نَفْسَه . فلا

--> ( 1 ) ب : وصف به نفسه ( 2 ) ب : وليس ذلك ( 3 ) ساقطة في ب م ن ( 4 ) ن : لو كانت ( 5 ) ب : وجود تقييد ( 6 ) ب م ن : وباطن ( 7 ) ب م ن : فنخاف غضبه ونرجو ( 8 ) ب : يحجب ( 9 ) ن : والعالم ( 10 ) ا : من ( 11 ) ا : ولا .